محمد بن جرير الطبري

615

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وذكر عمر بن شبه ان محمد بن معروف بن سويد حدثه ، قال : حدثني أبى ، قال : حدثني سليمان بن مجالد ، قال : افسد أهل الكوفة جند أمير المؤمنين المنصور عليه ، فخرج نحو الجبل يرتاد منزلا ، والطريق يومئذ على المدائن ، فخرجنا على ساباط ، فتخلف بعض أصحابي لرمد اصابه ، فأقام يعالج عينيه ، فسأله الطبيب : اين يريد أمير المؤمنين ؟ قال : يرتاد منزلا ، قال : فانا نجد في كتاب عندنا ، ان رجلا يدعى مقلاصا ، يبنى مدينه بين دجلة والصراة تدعى الزوراء ، فإذا أسسها وبنى عرقا منها أتاه فتق من الحجاز ، فقطع بناءها ، واقبل على اصلاح ذلك الفتق ، فإذا كاد يلتئم أتاه فتق من البصرة هو أكبر عليه منه ، فلا يلبث الفتقان ان يلتئما ، ثم يعود إلى بنائها فيتمه ، ثم يعمر عمرا طويلا ، ويبقى الملك في عقبه قال سليمان : فان أمير المؤمنين لباطراف الجبال في ارتياد منزل ، إذ قدم على صاحبي فأخبرني الخبر فأخبرت به أمير المؤمنين ، فدعا الرجل فحدثه الحديث ، فكر راجعا عوده على بدئه ، وقال : انا والله ذاك ! لقد سميت مقلاصا وانا صبي ، ثم انقطعت عنى . وذكر عن الهيثم بن عدي ، عن ابن عياش ، قال : لما أراد أبو جعفر الانتقال من الهاشمية بعث روادا يرتادون له موضعا ينزله واسطا ، رافقا بالعامه والجند ، فنعت له موضع قريب من بارما ، وذكر له عنه غذاء طيب ، فخرج اليه بنفسه حتى ينظر اليه ، وبات فيه ، وكرر نظره فيه ، فرآه موضعا طيبا ، فقال لجماعه من أصحابه ، منهم سليمان بن مجالد وأبو أيوب الخوزي وعبد الملك بن حميد الكاتب وغيرهم : ما رأيكم في هذا الموضع ؟ قالوا : ما رأينا مثله ، هو طيب صالح موافق ، قال : صدقتم ، هو هكذا ، ولكنه لا يحمل الجند والناس والجماعات ، وانما أريد موضعا يرتفق الناس به ويوافقهم مع موافقته لي ، ولا تغلو عليهم فيه الأسعار ، ولا تشتد فيه المئونة ، فانى ان أقمت في موضع لا يجلب اليه من البر والبحر شيء غلت الأسعار ، وقلت المادة ، واشتدت المئونة ، وشق ذلك على الناس ، وقد مررت في